علي أكبر غفاري
84
دراسات في علم الدراية
تعمد نقل غير المضبوط عنده ، لا من نقل ما يسهو عن كونه غير مضبوط فيظنه مضبوطا . وما ذكره موجه . وتوهم أن العادل إذا عرف من نفسه كثرة السهو لم يجتر على الرواية تحرزا من إدخال ما ليس من الدين فيه ، مدفوع بأنه إذا كثر سهوه فربما يسهو عن أنه كثير السهو فيروي . فالحق أن اعتبار العدالة لا يغني عن اعتبار الضبط . الثالث : أنه صرح جمع بأنه يكفي في إطلاق الضابط على الراوي كثرة اهتمامه في نقل الحديث ، بأن يكون بمجرد سماعه الحديث يكتبه ويحفظه ويراجعه ويزاوله بحيث يحصل له الاعتماد وإن كان كثير السهو ، إذ ربما يكون الإنسان متفطنا ذكيا لا يغفل عن درك المطلب حين الاستماع ولكن يعرضه السهو بعد ساعة أو أكثر ، فمثل هذا إذا كتب وأتقن حين السماع فقد ضبط الحديث وهو ضابط . الرابع : أنه يعتبر ضبط الراوي بأن تعتبر روايته برواية الثقات المعروفين بالضبط والإتقان ، فإن وجدت رواياته موافقة لها غالبا - ولو من حيث المعنى - بحيث لا يخالفها ، أو تكون المخالفة نادرة ، عرف حينئذ كونه ضابطا ثبتا . وإن وجدت كثيرة المخالفة لروايات المعروفين ، عرف اختلال ضبطه أو اختلال حاله في الضبط ، ولم يحتج بحديثه . ثم إن ضبط الراوي إن ثبته بالاعتبار المذكور ، أو بالبينة العادلة ، فلا إشكال ، وكذا إن حصل الاطمينان من شهادة ثقة ماهر . وإن جهل الحال ، قيل يلزم التوقف ، وقيل يبنى حينئذ على ما هو الأغلب من حال الرواة بل مطلق الناس من الضبط وعدم غلبة السهو . وهذا القول أظهر لحجية الظن في الرجال . والغلبة تفيده وجدانا ، وقد تؤيد الغلبة بأصالة بقاء التذكر والعلم بالمعنى المنافي للنسيان ، لا بمعنى التذكر الفعلي حتى يكون متعذرا أو متعسرا ، وأصالة عدم كثرة السهو المنافية للقبول . الخامس : أن الأظهر أن الإكثار من الرواية لا تدل على عدم ضبط الراوي ، كما صرح به جماعة منهم العلامة في النهاية . وقال في البداية : " إن اشتراط الضبط إنما يفتقر إليه فيمن يروي من حفظه أو يخرجها بغير الطرق المذكورة في المصنفات ، وأما رواية الأصول المشهورة فلا يعتبر فيها ذلك .